عبد الله بن أحمد النسفي

262

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 105 إلى 106 ] وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 105 ) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 106 ) والدعاء إلى الخير عام في التكاليف من الأفعال والتروك ، وما عطف عليه خاص ، ومن للتبعيض لأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية ، ولأنّه لا يصلح له إلا من علم بالمعروف والمنكر وعلم كيف يرتب الأمر في إقامته ، فإنه يبدأ بالسهل فإن لم ينفع ترقّى إلى الصعب قال اللّه تعالى : فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما « 1 » ثم قال : فَقاتِلُوا « 2 » أو للتبيين أي وكونوا أمة تأمرون كقوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ « 3 » وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي هم الأخصّاء بالفلاح الكامل قال عليه السّلام : ( من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة اللّه في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه ) « 4 » وعن عليّ رضي اللّه عنه : أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر « 5 » . 105 - وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا بالعداوة وَاخْتَلَفُوا في الديانة وهم اليهود والنصارى ، فإنهم اختلفوا وكفّر بعضهم بعضا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ الموجبة للاتفاق على كلمة واحدة وهي كلمة الحق وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ . 106 - ونصب يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ أي وجوه المؤمنين بالظرف وهو لهم أو بعظيم أو باذكروا وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ أي وجوه الكافرين . والبياض من النور والسواد من الظلمة فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ فيقال لهم أَ كَفَرْتُمْ فحذف الفاء والقول جميعا للعلم به ، والهمزة للتوبيخ والتعجّب من حالهم بَعْدَ إِيمانِكُمْ يوم الميثاق ، فيكون المراد به جميع الكفار ، وهو قول أبي وهو الظاهر ، أو هم المرتدون أو المنافقون أي أكفرتم باطنا بعد إيمانكم ظاهرا ، أو أهل الكتاب ، وكفرهم بعد الإيمان تكذيبهم برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 6 » بعد اعترافهم به قبل مجيئه فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ .

--> ( 1 و 2 ) الحجرات ، 49 / 9 . ( 3 ) آل عمران ، 3 / 110 . ( 4 ) ابن عدي في الكامل في ترجمة كادح بن رحمة من روايته عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن مسلم بن جابر عن عبادة بن الصامت ، قال ابن حجر : وكادح ساقط . وأخرجه الثعلبي وعلي بن معبد من طريق الحسن البصري مرسلا . ( 5 ) أخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة علي رضي اللّه عنه . ( 6 ) ليست في ( أ ) .